مولي محمد صالح المازندراني

39

شرح أصول الكافي

والمقام يقتضيان أن يجاب بجواب متشابه مجمل له وجهان يصحُّ باعتبار أحدهما . ثمَّ السائل لما عرف من هذا الجواب قدرته على إدخال كبير المقدار في صغير المقدار لم يكن له الإقدام على الإنكار ولم يكن عارفاً بحقيقة الأبصار ولا فارقاً بين عين المرئي وصورته سكت ولم يقل مرادي غير ما أردت من هذا الجواب وقد وجّه سيّد الحكماء الإلهيين جوابه ( عليه السلام ) بوجهين آخرين أحدهما أنَّ الّذي يقدر أن يدخل ما تراه العدسة لا يصحُّ أن ينسب إلى العجز ولا يتوهّم فيه أنّه غير قادر على شئ أصلاً وعدم تعلّق قدرته بإدخال الدُّنيا في البيضة من غير أن تصغر تلك وتكبر هذه ليس من تلقاء قدرته وقصور فيها ولا من حيث أنه ليس قادراً على شئ بل إنّما ذلك من نقصان ما فرضته حيث أنّه محال ليس له حظ من الشيئّية والإمكان ولو تصح له حظٌّ منهما لكان تعلّق القدرة به مستمراً كتعلقها بكل شئ وثانيهما أن ما يتصور من إدخال الدنيا في البيضة من غير أن تصغر تلك وتكبر هذه إنّما هو بحسب الوجود الانطباعي والله سبحانه قادر على ذلك حيث أدخل ما تراه في الجليدية وأمّا ذلك بحسب الوجود العيني فليس هو شيئاً يتصوَّر ويعبّر عنه بمفهوم أصلاً إنّما الشئ والمفهوم منه هو المعبّر به فقط لا المفروض المعبر عنه . وقال بعض المحقّقين رفع الله تعالى قدره ( 1 ) في توجيه الجواب : أنَّ الدَّيصاني سأل أنَّه هل يقدر

--> 1 - « رفع الله قدره » هو الميرزا رفيعا النائيني ( قدس سره ) وقبره في أصفهان في المقبرة المعروفة بتخت فولاد والآن واقع في محطة الطيارات . واعلم أن انطباع العظيم في الصغير في الصورة المرئية والمتخيلة من مشكلات الفن وفي شرح الإشارات نقل عن الفاضل الشارح مما اعترض به على القول بالخيال إن انطباع ما يراه الإنسان طول عمره في جزء من الدماغ يقتضي أما اختلاط الصور أو انطباع كل واحد في جزء هو في غاية الصغر وأجاب الطوسي ( رحمه الله ) بأنه استبعاد محض وذلك لقياس الأمور الذهنية على الخارجية انتهى . وأما صدر المتألهين فقد قال : أما كون تلك الصور العظيمة منطبعة في جزء من الدماغ فنحن ننكره غاية الإنكار إذ قد أقمنا البرهان على كون الصور الخيالية غير موجودة في هذا العالم . انتهى وما ذكره رفيعا ( رحمه الله ) من أن الكبير منطبع في الصغير بوجوده الظلي لا بوجوده العيني فمفاده أن انطباع الكبير في الصغير ممكن في الجملة وهو غير معقول لنا إلاّ بأن يقال ما نراه كبيراً ليس حالا في جزء صغير من البدن بل هو موجود مستقل عند النفس والذي ينطبع في جزء صغير يكبر في نظر النفس كما نرى بالآلات المصنوعة في زماننا لرؤية الصغير كبيراً ويرجع حاصله إلى أن المنطبع في آلة الحس صغير والمرئي كبير فينتج بالشكل الثاني أن المرئي ليس بمنطبع فإن قيل : إن الكبير المرئي ليس بموجود وإنما الموجود هو الصغير المنطبع في الآلة وأخطأ الحس إذا رأى الشئ على غير صفته الحقيقية قلنا في خطأ الحس أيضاً كالدائرة المضيئة في الشعلة الجوالة لا بد أن يقال بوجود ما نراه في صقع من أصقاع النفس وإن لم يكن موجوداً في الخارج فلا محيص عن قول صدر المتألهين من تجرد هذه الصور وإن كانت الآلات الجسمانية معدة . ( ش )